Print this page

في ندوة بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس :  تقديم و تمحيص واستشراف للقانون الجديد حول الفنان و المهن الفنية

شهدت  الأسبوع الفارط الساحة العلمية والثقافية

في تونس حدثاً أكاديمياً ووطنياً بارزاً تجسد في تنظيم ندوة علمية حول قانون الفنان والمهن الفنية الصادر في 13 ماي 2026. وقد جاء هذا الحدث في إطار نشاط مبادرة "نُظم، ثقافة وتراث" Initiative Normes, Culture et Patrimoine، وهو فريق بحث علمي تابع لكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وذلك بالشراكة مع جمعية "الفن شارع" L'Art Rue. ​ولم تكن هذه الندوة مجرد ملتقى أكاديمي تقليدي، بل مثلت المحطة الأخيرة لمسار تشاركي شمل تنظيم لقاءين حواريينAgora، أحدهما حضوري بمقر جمعية "الفن شارع" يوم 19 سبتمبر 2026 وقد جمع عدداً كبيراً من الفنانين  و الفنانين الناشئين من كامل جهات الجمهورية، والآخر عبر استشارة رقمية واسعة تمتد من 10 سبتمبر إلى 10 أكتوبر 2026 وهي ترمي إلى تجميع أفكار وآراء ومقترحات مجمل العائلات الفنية حول ما جاء به قانون ماي 2026. ومكن كل ذلك من تهيئة نقاش قانوني واجتماعي واسع متعلق بانتظارات المجتمع والممتهنين في الحقول الفنية المختلفة حول مدى تأقلم هذا القانون مع مطالبهم ومع المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.

وقد التئم هذا الملتقى يومي 22 و23 سبتمبر 2026 بكلية العلوم القانونية بتونس، واستهلت أعمال الندوة بتقرير تمهيدي قدمه الأستاذ غازي الغرايري تحت عنوان: «عن أي شيء يعبر القانون الجديد؟»، وقد وضع هذا التقرير الإطار الفكري العام والتحليلي والقانوني للملتقى، مؤكداً أن هذا النص التشريعي لا يمكن فهمه كمعطى مجرد، بل لابد من وضعه في اطار تقاطعات مختلفة منها السياسيو الاجتماعي و الفني.

وَشَدَّدَ التقرير على أن القانون الصادر في ماي 2026 كان وليد مسار تشريعي لافت استغرق قرابة العشر سنوات على اعتبار أنه بدأ كمشروع أعدته الحكومة عبر هياكل ولجان سهرت عليها وزارة الثقافة، وانتهى كمقترح صادر عن مجموعة من النواب، وهو أمر نادر في السياق التشريعي التونسي. و يحملهذا القانون في طياته اعترافاً طال انتظاره بالمكانة القانونية والاجتماعية للمبدع، ويحاكي المعايير الدولية خاصة توصية اليونسكو لـ 1980 ودليلها التوجيهي لـ 2023، وكذلك مع المبادئ الدستورية الوطنية خاصة من خلال دستور 2014 ودستور 2022.

غير أن هذا التقرير نبه كذلك إلى أن الاختبار الحقيقي والرهان الفعلي لا يكمن فقط في النص التشريعي المعتمد، بل كذلك في سرعة وجودة النصوص التطبيقية التي سيفضي إليها في المحطات القادمة، والتي هي وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كان هذا القانون سيكون أداة فعلاً تحررية وحمائية للفنانين أم وسيلة بيروقراطية ورقابية.

توزعت أعمال الندوة في الواقع على أربع جلسات علمية متكاملة عكست من خلال عناوين المداخلات النقاط الساخنة والإشكاليات الجوهرية التي تثيرها التشريعات الثقافية المعاصرة وخاصة قانون ماي 2026:

الفنان والعمل الفني: المعنى والمغزى

طرحت الجلسة الأولى أسئلة التأسيس لمفهوم الفنان ومفهوم الفن، حيث تناول عديد المتدخلين هذه المسائل من زوايا مختلفة. وقد تدخلت الدكتورة سنية مبارك، وزيرة الثقافة السابقة، حول مسألة «لماذا نضع قانوناً للفنان؟»، كما أضاء المحامي أحمد بن حسانة , وقد كان عضواً في لجنة صياغة مشروع القانون, مسألة المسار التشريعي والخطوط العريضة للنص والمحطات التي مر بها. واكتملت هذه الرؤية بمداخلات ركزت على المصلحة الثقافية العامة من خلال ورقة قدمتها الباحثة مريم قطيف، وكذلك مداخلة حول المفهوم القانوني للعمل الفني من خلال ورقة قدمتها الأستاذة عائدة قائد السيبسي، إلى جانب شهادات حية ومؤثرة لرموز ووجوه من الحقل الثقافي كتدخل الوزير السابق مراد الصقلي والأديبة آمال المختار والفنان عاطف بن حسين و المسرحي توفيق الجبالي و عبر هذا الاخيرعن رأي مفاده انا لسنا في حاجة الى قانون جديد وانتظارات الشارع الفني انتظارات اخرى

المؤسسات العمومية والفعل الفني

لقد تطرق المحور الثاني إلى الإشكالية الأبرز في علاقة السلطة بالحرية، حيث ناقشت الورقات علاقة المؤسسة العمومية بالفعل الإبداعي وبالفنانين عموماً من خلال هذا الإطار التشريعي الجديد. وقد قدمت الباحثة سيرين بن حريز قراءة في حرية الإبداع الفني من خلال هذا النص، كما تطرق السينمائي مراد بالشيخ إلى إشكالية البطاقة المهنية من خلال القانون الجديد، وتدخلت الأستاذة سيمة صمود المختصة في العلوم الموسيقية حول مسألة مهنية العمل الفني، وكذلك محمد العمايري حول دور المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة و هو المشرف الحالي على تسييرها هذا الى جانب ورقة معز الشيخ حول اهمية الفصل الثاني من القانون و كذلك الباحثة ايناس المنصوري حول علاقة الفنان بالمؤسسات العمومية. وقد ركزت كل هذه الورقات على ضرورة الارتقاء بعلاقة المؤسسات العمومية بالحقل الإبداعي وبالفنانين إلى مستوى الدعم والحماية وضمان الحرية الدستورية التي يكرسها القانون التونسي اليوم.

الرعاية الجبائية والتمكين الاقتصادي للفنان من خلال القانون الجديد

خصص اليوم الثاني لبحث الشروط المادية والاجتماعية لاستقلالية الفنان وللنهوض بهذه القطاعات الفنية. وقد تدخل في هذا السياق الخبير حكيم بن حمودة، وزير المالية السابق، حول مسألة الإطار القانوني للرعاية المالية للفن والفنانين، وكذلك ورقة قدمتها الأستاذة إيمان برجب حول نفس المسألة ولكن من ناحية القانون الجبائي. كما تدخلت الباحثة أميرة بالقصير حول مستجدات النظام الجبائي للفن والفنانين من خلال القانون الجديد، وكذلك الأستاذة سهام الدالي حول التغطية الاجتماعية وآليات تقليل الهشاشة للفنانين من خلال القانون الجديد. كما تناولت المداخلات الدور الاقتصادي للدولة في دعم الفن والفنانين من خلال ورقة الباحثة درة حمودي، وكذلك ورقة المسرحي حسن المؤذن حول التمويل العمومي للفن والفنانين على محك النص الجديد، كما تدخلت الخبيرة بثينة الغربي حول علاقة الفنان بالمجموعات من خلال مثال السياحة المجددة واختتمت بورقة قدمتها الباحثة إسلام بن عطية حول مقارنة القانون الجديد بإطار اليونسكو من خلال "مونديالكولت" 2022 و2024.

و لقد تخللت هذه الحصة شهادة حية شدت انتباه الحاضرين ادلى بها الروائي الشهير حسنين بن عمو كما عرض تسجيل لشهادة الممثل القدير رؤوف بن عمر.

مسؤولية الفن: تحفيز أم زجر؟

لقد شكلت الجلسة الأخيرة للندوة محطة شهدت نقاشاً هاماً وتبادل أراء مختلفة وأحياناً متباعدة حول هذه النقطة، إذ قدمت الدكتورة هاجر بالشيخ أحمد والأستاذ عمر الأبيض ورقات متعلقة بالتوازن بين الحقوق والحريات من ناحية ومسؤولية الفنان من ناحية أخرى.

هذا و تناول الكلمة  كل من ماهر الهمامي رئيس نقابة المهن الموسيقية و المهن المجاورة و نزار مقديش كاتب عام اتحاد الفاننين التشكيليين التونسيين لإبداء راي القطاعات الذي يمثلونها في القانون الجديد الذي كان بالأساس ايجابي على الرغم من التركيز على ضرورة المرور بسرعة إلى مرحلة التنفيذ.

 ولقد سلطت الأوراق الضوء على التحديات الحديثة كذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعي وتأثيره على عديد الحقول الفنية من خلال ورقة الباحثة آية بن حسن، إضافة إلى قراءة نقدية جريئة للمقاربة الزجرية في القانون الجديد التي قدمتهاالاخصائية في القانون الجنائيالأستاذة سلمى الهنتاتي. واختتمت الجلسة بتأملات أفقية حول تشكل نظام قانوني ثقافي تونسي جديد قدمتها الباحثة ملكة الزهراء الكافي.

لقد أجمعت المداخلات والنقاشات الثرية التي شهدتها الندوة على أن هذا القانون الجديد أي قانون 13 ماي 2026 المتعلق بالفنان والمهن الفنية هو أداة وليس غاية في حد ذاته. إن نجاح هذه التجربة التشريعية يظل رهين التوازن الدقيق بين إرادة سياسية واضحة ويقظة مستمرة للمجتمع المدني، وكذلك مشاركة فعالة للمبدعين والفنانين في صياغة الأوامر التطبيقية القادمة والقرارات الترتيبية المتولدة عنها والتي يستلزمها هذا القانون الجديد. ولقد شكل هذا الملتقى خطوة هامة نحو العمل على إشاعة فهم أشمل وأعمق للتشريع الثقافي والضمانات الضرورية التي يجب أن يفرزها النظام التشريعي والمجتمع عموماً لحماية حرية الإبداع وحرية المبادرات الفنية مطلقا في تونس.

المشاركة في هذا المقال